عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )

289

لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام

ومنها : أن العبد متى رأى لنفسه [ 59 و ] قدرا بتوبته فقد داخله العجب الذي هو ذنب في الحقيقة . فوجب عليه أن يتوب من مثل هذه التوبة التي دعته إلى الإعجاب بنفسه . ومنها : أنه لما كان مفهوم التوبة في المشهور إنما هو الإقلاع عن الذنب في الحال مع العزم على تركه في زمن الاستقبال وكان ذلك سوء أدب عند أهل التحقيق من جهة أن العبد قد يكون ممن سبق له في علم اللّه تعالى بأنه سيعود إلى الذنب فيصير بالعزم متحكما على اللّه لا متذللا لحكمه ثم يصير مع ما هو عليه من سوء الأدب ممن إذا عاد يضاعف ذنبه . أما أولا فلسوء أدبه . وأما ثانيا فلنقض عهده مع ربه . فلهذا كانت التوبة عند أهل التحقق إنما هي ترك العزم على العود لا إنهاء العزم على الترك . ومن هذا يعلم أن التوبة من هذه التوبة واجبة عند من فهم هذا . والفرق بين هذين المعنيين هو أن صاحب العزم قد ادعى لنفسه قوة الثبات على ضبطها عن العود إلى الذنب في المستقبل ، وأما تارك العزم فما ادعى لنفسه شيئا بل يكون كما أنه غير متلبس بالذنب في الحال فكذا لا يجد من نفسه عزما على التلبس به في زمن الاستقبال . ومنها : ما يفهم من معنى قوله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ( التوبة : 118 ) من أنه تعالى لو لم يتب على العبد لما صحت التوبة منه فكانت التوبة من التوبة بهذا المعنى أي من رؤية استقلال العبد بتوبته فوجب على التائب التوبة من دعوى التوبة لنفسه . وهذا حكم سار في جميع أفعال العبد ، قال تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ( الأنفال : 17 ) فما فعل من فعل سواء كان فعله